فخر الدين الرازي

293

المطالب العالية من العلم الإلهي

فيلزم أن لا يكون تعالى مالكا ليوم الدين ، بل يكون مملوكا في يوم الدين - تعالى اللّه عنه علوا كبيرا - الثاني : إن كفر العبد ومعصيته متناهية . والعقل يقضي أن يكون العقاب بقدر الجرم . لا زائدا عليه . فوجب أن يكون عقاب الكفر والمعصية متناهيا [ فلما جعل عقاباته غير متناهية « 1 » ] علمنا أنه لا يمكن أن يقال : أحكام أفعاله على أحكام أفعالنا في الحسن والقبح . وذلك يبطل قول المعتزلة . الثالث : إن المحاسبة على المأكول والمشروب مستقبحة من العظماء . وجميع الدنيا بالنسبة إلى خزائن اللّه أقل من الذرة بالنسبة إلى البحر الأعظم . فلو كانت أحكامه مثل أحكامنا ، لوجب أن يقبح منه حساب العبد في الذرة واللقمة . ولما لم يقبح ، علمنا : أنه لا تقاس أفعاله على أفعالنا ، ولا أحكامه على أحكامنا . وذلك يبطل الاعتزال بالكلية . الفصل السابع في قوله : إِيَّاكَ نَعْبُدُ قالت المعتزلة : هذا تصريح بكون العبد فاعلا ومستقلا بأفعال نفسه . فإنه لو كان فعل العبد قد خلقه اللّه ، لكان سعي العبد جاريا مجرى تحصيل الحاصل . وذلك محال . وحينئذ يبقى قوله : إِيَّاكَ نَعْبُدُ : كذبا محضا . وأيضا : لو كانت العبادة خلقها اللّه تعالى ، لوجب أن يقول العبد : إياك نسأل منك خلق العبادة . قال أهل السنّة والجماعة : إنما تصير [ العبادة « 2 » ] داخله في الوجود

--> ( 1 ) من ( م ، ل ) . ( 2 ) بالقدر وهو ليس ( م ) .